الأربعاء، 23 ديسمبر 2020

لويس غليك: الذات كمختبر


مقابلة مع لويز غليك الفائزة بجائزة نوبل للآداب 2020




حوار: غريس كافاليري

فصلية بيلتوي للشعر شتاء 2006

ترجمة خالد البدور


جريس كافاليري: لبدء نقاشنا، أود الاشارة إلى قصيدة في كتابك الجديد، "أفيرنو"، قصيدة "الزمن". هذه القصيدة مثيرة للانتباه لأنها تحتوي على العديد من العناصر التي أعرفها في مسيرتك الشعرية. حتى ذلك الخط الواهن من الفكاهة، "لقد نام الكلب"، هذه هي لويز المعهودة. وسأقول أن هذه القصيدة تثير بعض الأسئلة الفلسفية المهمة. كنت أتساءل ما إذا كان شِعرك يستخدم في أماكن أخرى إلى جانب دروس الأدب، ربما دروس الفلسفة.


لويز غليك: حسنًا، ليس لدي أي فكرة. لكن سيكون الأمر رائعًا حقًا، لو كان هذا صحيحًا.


كافاليري: يمكنني تدريس مادة جامعية في الفلسفة باستخدام شعرك، مثل سؤال: "لماذا تحب ما ستخسره؟ لا يوجد شيء آخر نحبه."


غليك: سيسعدني ذلك.


كافاليري: أنا متأكدة أن هناك خمسين مسودة وراء تلك القصيدة.

غليك: لا، يبدو أن أحد الأشياء المثيرة للفضول هو أن لدي طريقتين في الكتابة. إحداها هي طريقة الحِرفي، التي لم أقم بها منذ فترة، وتبدو الآن عزيزة جدًا بالنسبة لي، حيث يتم التعب على الكلمات؛ ويظهر الشعور بأنك تقود تلك العملية. يكون لديك بالفعل إحساس بنفسك وأنت تصنع القصيدة. عندما تكتبين بسرعة كبيرة، أو عندما أكتب بسرعة كبيرة، أفقد الإحساس بأن القصيدة لي، ولا أستطيع التفكير من أين أتت. ولكن ذلك يتم، في العادة،  بسرعة كبيرة، ولا يحدث تغيير كثير فيها. قصيدة "نجوم" في نفس الكتاب هي مثال على العملية الأخيرة. كتابي الأخير، "العصور السبعة"، بهذا الاسلوب. توجد به قصائد تمت مراجعتها مرارًا وتكرارًا؛ يتم تفكيكها، ثم إعادة جمعها مرة أخرى، لكن في فترة زمنية مضغوطة للغاية. ثم هناك قصائد فيها كلمات وعبارات متمردة وأشياء أشعر أنها يمكن أن تكون أفضل.


كافاليري: حسنًا، سبب سؤالي عن عملية كتابتك هو أن حروف العلّة موسيقية للغاية. يحدث هذا، إما من سنوات من العمل الشاق، أو من خلال شيء لا يمكن في الواقع بناؤه. حروف العلة في تلك القصيدة غير عادية، وهي ذاتها الحركة في القصيدة. بالطبع أنا كنت على الجانب الآخر من الطاولة. لدي فرصة الاستماع. وكنت فقط أفكر كيف يدخل الإنسان في مثل هذه المساحة من الراحة، باستخدام أحرف العلة بهذه الطريقة، هذه قصيدة موسيقية للغاية. كذلك، بها أحدى خصائصك، العنوان المباشر في المنتصف، والذي يجعلك تترك المكان الذي كنت فيه. وكما أقول دائمًا، أنت مزعجة جدًا، أنت تلهيننا في القصيدة ثم تقومين بشيء غير عادي تمامًا. في السطور الأخيرة، مع استخدام الضمائر الخاصة بك، وهي غير عادية بالنسبة لك أيضًا، "بهدوء"، "بشراسة"، الآن، هذا مثير للاهتمام. أرى أنهما بين قوسين، سمعتهما بين قوسين.


غليك: هذا يهمني.


كافاليري: كثيرًا ما قلت إنك تقومين بعمل شيء لا يقوم به أي شاعر آخر، وليس من العدل تركك هنا. يمكنك تناول العواطف، والمشاعر الهشة للغاية، ثم تبنين سيناريو حولها. أنت تبنين منزلًا حول الأحاسيس. الآن، هذا يبدو وكأنه أمر يقوم به الجميع، لكن لا أحد يقوم به تمامًا كما تقومين به أنت. يساء فهم هذا أحيانا على أنه سيرة ذاتية، لكنه متخيل، باستثناء المشاعر. من أين تأتين بالثقة في القصة؟


غليك: حسنًا، هذا سؤال مثير للفضول.


كافاليري: إنها مثل القصص الخيالية للكبار.


غليك: إنه في الواقع سؤال عميق إلى حد ما، وأخشى أنني لن أعطيه حقه. إنه يجعلني أفكر على الفور. لكن، أعتقد أنه، بالقول أنك تكتبين، ستكتبين أكثر عما يقلقك، ثم يتم تحويل هذه الموضوعات بأكبر قدر ممكن من الحيلة والتعقيد. أنا منزعجة للغاية من قراءة قصائدي كسيرة ذاتية. أنا أعتمد على مواد وهبَتها لي حياتي، لكن ما يهمني ليس لأنها تحدث لي، ما يهمني هو أنها تبدو، كما أرى حولي، نموذجية. نحن جميعا سنموت. علينا أن نواجه فكرة الموت. نحن جميعًا، في مرحلة ما، نحب، مع المخاطر التي ينطوي عليها ذلك، ونقاط الضعف، وخيبات الأمل والإثارة العظيمة للعواطف. هذه تجربة إنسانية مشتركة، لذا ما نستخدمه هو الذات كمختبر، حيث نتمرن ونتقن ما يبدو لنا معضلات إنسانية مركزية.


كافاليري: في مقالاتك "براهين ونظريات"، لديك نقاشاً واحدا اعتقدت أنها ستجيب عليه، حيث تسمين الكتابة "بحثٌ عن سياق"، ويبدو أن هذا يتماشى مع ما تقولينه. لذا أتيت بالمحتوى، ولكن الحيلة بأكملها هي إيجاد، وبناء البيت، القصة، والسياق الخاص بها. اتصور أن تلك كانت عبارة بسيطة للغاية، ولكنها مهمة جداً.


غليك: حسنًا، هذا صحيح. أعني أنني أتذكر ذات مرة، قصيدة كتبتها عندما كنت صغيرة جدًا جدًا، في سن المراهقة، اعتقدت أنها كانت رائعة في ذلك الوقت. لقد كانت قصيدة عن غزال يحتضر، وبالفعل كان بها لغة جميلة جدًا. كانت المشكلة أن اللغة الجميلة تم تسخيرها لهذا الغزال، الذي لم أكن أعرف شيئًا عنه، بحيث كانت حينها القصيدة عاطفية وعظيمة. حسنًا، لقد كان حماقة، لقد كان جهدًا متحمسًا لشابّة. لكن، كان من الواضح أن للسطور سلطة، وشعور بطبيعة الخسارة، وكانت المشكلة هي منح تلك المشاعر بيتاً، ووضع تلك السطور في فم الشخص الذي يجب أن يقولها، في اللحظة التي يجب أن تقال فيها، وقد استغرق الأمر مني عدة سنوات لمعرفة الإعداد المناسب للسطور. ثم اصبحت قصيدة عن شخصية، لكنها ظهرت بشكل أفضل. 


كافاليري: ماذا كان رد القراء على كتابك "وايلد إيرس"؟


غليك: بعد ظهور "وايلد إيرس" تلقيت كما كبيرا من الرسائل من أشخاص كانوا فاعلين في الجوانب الدينية، يطلبون مني كتابة أعمدة صغيرة عن الإله.


كافاليري: وعن الزهور.


غليك: وعن الزهور. تلقيت الكثير من الاستفسارات حول البستنة، ولست بستانية.


كافاليري: على الرغم من أننا يجب أن نعجب بمعرفتك بالعالم الطبيعي. هناك معرفة في كتاب "وايلد إيرس" وهو أمر مثير للإعجاب.


غليك: كل هذا أتى من كتالوج " حقول الزهرة البيضاء" وأتى أيضًا من زراعة الأزهار.


كافاليري: كيف تصفين هذا الكتاب؟


غليك: كان كتاب "وايلد إيرس" مليئًا بالرهبة، وهو غنائي للغاية. كان واضحًا جدًا بالنسبة لي بعد ذلك أنني لا أستطيع فعل أي شيء آخر بهذا الأسلوب. لا أتصور أن هذه هي الطريقة التي تنمو بها كفنان. أردت أن أفعل شيئًا مختلفًا تمامًا. أردت أن أكتب شيئًا كوميديا بالمعنى العام، كالكوميديا ​​الرحبة في "عرس فيغارو" لولفغانغ أماديوس موزارت. كان هذا هو نموذجي حيث الاستهزاء، الذي يغفر للنواقص البشرية، بطريقة ما، هو الدافع. إنه الكتاب الذي قمت بالعمل عليه في وقت بدا فيه أن زواجا استمر طويلا جدًا من غير المرجح أن يستمر، وكانت إحدى مشاكل الكتاب أن حياتي كانت تعطيني موادًا بائسة، وما شعرت به كفنانة كان ضرورة العمل بأسلوب الكوميديا. من أهوال الطلاق أنني ظللت أفكر أن الأمر سيستغرق عقودًا لكتابة كتابي، وقد استغرق الأمر بعض الوقت، لأنه كان واضحًا جدًا بالنسبة لي أنني لا أرغب في كتابة كتاب جارحٍ عن الطلاق. لم تكن لدي رغبة في تجسيد الطلاق في الشعر. أردت أن أكتب كتابي اللطيف والمتصف بالغفران والمتسامح عن الحب. وكان لدي إحساس دقيق للغاية بما كان من المفترض أن يكون عليه بناؤه، والذي تم وضعه جانبًا لاحقًا، على الرغم من أنه أسعدني إلى ما لا نهاية. ما انتهى إليه الكتاب كان عبارة عن رواية مزدوجة، يتم فيها إنهاء زواج معاصر، والذي تم تفصيله في سلسلة من الأحاديث الكوميدية والمشاجرات الخاصة، بالتناوب، مع قصة أوديسيوس وبينيلوبي. وكان آخر ما أضيف إلى المخطوطة مجموعة من القصائد. دعيني أعود إلى الوراء وأقول إنه كان واضحًا بالنسبة لي، ولفترة طويلة جدًا، أنه على الرغم من أنني اعتقدت أنني قمت بكل ما أعرف أن أقوم به، فإن الكتاب لم ينته. كان من الواضح أنه لم يتم الانتهاء منه. وعندما يكون للأمر هدف واحد، كما كان هذا الكتاب ، إذا لم يتم انجازه، فيعتبر فشلا. إنها مثل رواية لم تنجح. ليس الأمر أن لديك عشر قصائد بدلاً من عشرين، ليس لديك شيء. وظللت أفكر، حسنًا، ما هو مفقود هو نوع من الحزن، ربما، أو حزن عميق ينبغي أن يعبر في النصوص. عرضت المخطوطة، جزئيًا، على صديقة لي، متخصصة في الأدب الكلاسيكي الإغريقي واللاتيني، وسألتها عما إذا كانت قد لاحظت شيئًا ترغب في أن أقوم بإضافته، أو إذا لاحظت غيابًا لأمر ما، قالت: "حسنًا ، ليس لديك تيليماخوس، (طفل بينولوبي وأوديسوس)." قلت: "أوه ، لا يوجد مكان لتيليماخوس". وفجأة فكّرت، حسنًا، لماذا لا أحاول إيجاد تيليماخوس. وكان هذا بعد أن حظيت بشيء من الحظ الجيد في تنفيذ مهمة كلفني بها صديقي روبرت بينسكي. نحن نقوم بذلك لبعضنا البعض.


كافاليري: وينتهي الأمر بأن يصبح تيليماخوس هو الشخصية الرئيسية في هذا الكتاب.


غليك: أحب تيليماخوس، أحب هذا الولد الصغير. لقد انقذ كتابي، وكُتبت القصائد بصوته بسرعة كبيرة جدًا، على مدى عشرة أيام أو أسبوعين، في الحافلات، وفي أسرَّة غرف الضيوف، والمصاعد. بمجرد أن حصلت على صوته، والذي هو صوت عقله، عرفت كيف أنهي كتابي، وكتبت القصائد في باندفاع مبهج، ثم أصبت بالتهاب الشعب الهوائية لمدة ثلاثة أسابيع تقريبًا، لكن الأمر كان يستحق ذلك. على أي حال، إحدى قصائد تيليماخوس، تتناول معاناة والديه ومحنتهما، وتقدم وجهة نظره، وذنبه.

كافاليري: ربما يكون التهاب الشعب الهوائية ثمنًا كافيًا لتدفعيه، لكنني كنت سأطلب منك الثمن الذي دفعته مقابل نوع الكتابة التي تقومين بها، لأنني أعتقد أنك أشجع شاعرة أعرفها، فأنت لا تتوقفين عند حد معين؛ تنزعين الأحجبة وتتركين الرقائق تتساقط حيثما تريد. لكن لأنك تؤمنين بالقصة، لديك شبكة آمنة. وربما يكون هذا هو ما يؤهلك للمضي قدمًا.


غليك: يبدو التهاب الشعب الهوائية وكأنه أمر صغير. بدا فظيعًا حينها، ولكن حتى في ذلك الوقت كنت أفكر، حسنًا، حسنًا، إذا كان هذا هو الثمن، فلا بأس، إذا كان هذا هو ما أحصل عليه من عدم النوم لمدة عشرة أيام، فلا بأس.


كافاليري: إن كتابك الذي يحوي مقالات هو كتاب بليغ وفائق. من المؤكد أنه يحتوي على إسهاب أقل في الصفحات من أي كتاب مقالات آخر. تتحدثين عن الشجاعة في الكتابة. حسنًا، هذا يبدو وكأنه شيء بديهي جدًا ليقوله للكاتب. أعني أننا نعلّم الشجاعة، ولا نعلم اللغة في الفصول. ويبدو أنها فكرة واضحة، لكن يبدو أنك تعيشينها. أتخيل أنك لا تفكرين في هذا كثيرًا عندما تكتبين، في حجم الشجاعة التي يستدعيها الوصول إلى حيث تذهبين، إلى مصدرك. لكنها حقيقة، أليس كذلك؟


غليك: يبدو لي أنه لا توجد طريقة أخرى للعيش. أعني، لا يبدو الأمر شجاعة. يبدو أن ما يدفعني هو الاهتمام. اريد ان اكون مهتمة. أريد أن أشعر بأفكاري حية. لا يبدو أن هذا يتطلب شجاعة. يبدو أنه الحظ، عندما يكون ذلك مسموحًا به. عندما يكون لدي الحظ، لسبب أو لآخر، أكون في قبضة فكرة. يبدو أن هذا هو أكثر الحالات المباركة والرائعة التي لا أصل إليها كثيرًا.


كافاليري: أعتقد أنك تلقيت معاملة جيدة من قبل النقاد. جيدة جداً.


غليك: أوافقك الرأي.


كافاليري: ويجب أن أقول أفضل مما كنت قد قيّمتهم به. لأنني في بعض الأحيان أريد أن أقول: "أوه، لقد فهمتَ كل هذا بشكل خاطئ ،" كما تعرفين، لبعض النقاد. لكني أعتقد أنه تم استقبالك ككاتبة دون أي شائبة؛ ككاتبة لديها عناية كبيرة جدا لموضع كل كلمة. أعتقد أنهم لاحظوا أسلوبك. أعتقد أن كل جزء من العمل الذي قمت به قد تمت ملاحظته بشكل مدهش. ولذا يجب أن تشعري بشعور جيد حيال ذلك.

غليك: أحاول الابتعاد عن ذلك، لأنك دائمًا ما تشعرين بالفزع، ومن المدهش بالنسبة لي الدرجة التي يمكن أن تشعر بها الأنا البشرية بالاستخفاف، حتى عندما يتم الإشادة بها، إذا ما ارتكب شخص ما شيئًا خاطئًا، وأنا لا أريد أن أكون مشوشة بردة فعلي. تنتهي قوتي عندما أضع القصيدة على الصفحة، وبعد ذلك هي لا تخصني، بل تخص شخصًا آخر، ولا يمكنني التحكم في ما سينتج عنها، ولا أريد أن أسافر في كل أمريكا لأخبر الناس كيف يقرأون قصائدي. آمل أن تجد قصائدي القراء الذين سيقرؤونها بإدراك. آمل أن تكون جديرة بالإدراك، وهو الأمر الأكثر أهمية.


كافاليري: حسنًا، الشيء الذي تقدمينه لنا هو سبب للمضي قدمًا، لأنه متسام. يمكنك تناول أبشع الأشياء التي يجب أن نتحملها والتي تكون مميتة، كالخيانة أو الخسارة وحتى الجشع، كل السمات البشرية، فتقومي بتغييرها، لتصبح صالحة من أجلنا، وتقولين: ألسنا محظوظين لأننا نستطيع القدوم إلى هنا بعد أن كنا هناك. أنت تؤلفين أغنية، أغنية غنائية جدا، من كل هذه الصفات الفظة والشريرة التي ولدنا لها. وأعتقد أن هذا يكفي للقيام به في حياة واحدة.


غليك: أتنمى ذلك.


كافاليري: أريد أن أعود إلى كتاب "وايلد إيريس". لقد وصفه البعض بأنه قصيدة واحدة طويلة، لكني لست متأكدة من أنني أوافق على ذلك.


غليك: حسنًا، أعتقد أنني قصدت أن تُقرأ كبنية واحدة. 


كافاليري: في جلسة واحدة، أليس كذلك؟


غليك: أجل.


كافاليري: ألم تقولي هذا ذات مرة؟


غليك: أقول ذلك بشكل متكرر. هذا يكذّب فكرتي بأنني لا أريد أن أخبر الناس كيف يقرأون كتبي، لكنني في الحقيقة أفعل. كتبي منذ كتاب "أرارات" و " ذي وايلد إيرس" و "ميدولاند" و "فيتا نوفا"، والكتب الجديدة، أعتقد أنها كلها، بطرق مختلفة، ذات بنية واحدة. أنا دائما ما أعمل بكل جهدي لتنظيم مجموعات من كلمات الشعر المتباينة في شكل من شأنه أن يوحي ببعض المؤشرات تدل على مطمح أكبر، مما قد يكون واضحًا، وبعد كتاب "أرارات" بدأت في كتابة مقاطع متسلسلة على امتداد صفحات كل كتاب. حسنًا، على الأقل، هكذا بدت لي. يأخذ كتاب "ذي وايلد إيريس" شكله من امتداد صيف في حديقة. هناك ثلاثة أنواع من المتحدثين. العالم الطبيعي يتحدث، والقصائد التي تتحدث بها الأرض وتحمل أسماء الزهور: "الزنبق الفضي"، "السوسن البري"، و"زهور الحقول". ثم هناك قصائد يقوم فيها شخص بالمخاطبة، أحيانًا مخاطبة الأرض، على ما أظن، ولكن في الغالب، وليس لدي كلمة لوصف هذه الألوهية، الوجود الكوني، الذي منحه هذه الحياة.


كافاليري: بعض الناس يسمونه الإله.


غليك: نعم، هم يقومون بهذا، أليس كذلك؟ حسنًا، أنا لا أفعل. إنه اختزال، اختزال لكل ما لا يشمله الإنسان والعالم الطبيعي. هناك شيء ما يتم تركه. ثم هناك الصوت الذي يستجيب به هذا الوجود، عادة بخيبة أمل غير صبوره، للإنسان. أحيانا برقة، رقة مُرهِقة، وبدا من الواضح لي، في لحظة ما، أن ذلك الصوت أصبح يشبه صوت أمي إلى حد بعيد. ليس في ارتفاعاته بل في جوهره. يجب أن أقول أيضًا إن والدتي كانت من أشد المناصرين لي، حتى في وقت مبكر جدًا من عملي، وقامت بتشجيعي بشكل كبير. لكنها وضعت معايير عالية جدًا ايضا. ويتشكّل الكتاب من خلال فشل هذه الأصوات دائمًا في تلبية متطلبات العالم الطبيعي الذي يخاطب الإنسان؛ والإنسان الذي يخاطب العالم الطبيعي والإلهي، ثم الإلهي الذي ينظر إلى كل شيء ويقول: "كان لدي آمال لك أفضل من هذا."


كافاليري: الحياة بشروط.


غليك: على سبيل المثال قصيدة "الزنبق الفضي" في نهاية الكتاب. إذا كنت من الذين البستانيين، فأنت تعلمين أن الزنبق عادة، ليس زنبق النهار ولكن الآسيوي وغيره، يزهر في نهاية الصيف، وفي فيرمونت، حيث كانت هذه الحديقة، في نهاية الصيف. وفي كثير من الأحيان لا يزهر لأن الثلج يتساقط أولاً.


كافاليري: لديك عنوان، هو إما ملاحظة أو عنوان، يقول "الفن في خدمة الروح". سواء كنت ترغبين في التفكير في ذلك أم لا، فأنت أحد القوى الرائدة لدينا في الشعر، ولا أعرف ما إذا كان ذلك يجعلك غير مرتاحة. قبل كل شيء، أنت تطرحين السؤال، أو تطرح القصائد السؤال: هل نحتاج إلى خالق؟ كانت القصائد بحاجة إلى خالق. إذن، أهذا هو الجواب؟


غليك: لا أعرف الجواب!


كافاليري: حسنًا، ما عليك سوى طرح الأسئلة. لكنه عمل روحي، وكل ما تقولينه هو عن الاضمحلال والنمو، ولدي اقتباس من مصدر آخر. حسنًا، إنه في الواقع من كتاب "ذي ويلد إيرس"، "ثم لم يعد الضوء الأبيض مقنعًا كمادة." والذي يلخص جزءًا كبيرًا مما تكتبين عنه. العبور، العبور من خلال المؤقت إلى الأبدي. وأنا متأكدة من أنه أحد تلك الأشياء التي لا تريدين أن تتوقفي وتفكري بها كما فعلت. لكن الدروس الروحية التي يُعبّر عنها هنا هي أسئلة مثيرة للاهتمام وصعبة للغاية. هل سيزعجك إذا قرأ أحدهم كتاب "ذي ويلد إيرس" ولم يعرف أن هناك ثلاث شخصيات مختلفة، أن الإله لم يكن عنصرًا؟ أن يقرأها القراء على أنها قصائد دون تلك الوجوه الثلاثة؟


غليك: أعتقد أنهم سيرتبكون للغاية. لا أعرف كيف سيتمكنون من التحاور مع الكتاب ولكن ...


كافاليري: في واقع الأمر جربت كلا الاتجاهين، والقصائد تعمل في كلا الاتجاهين. لقد صُممت أكثر ثراءً. ولكنها تحيا كقصائد، كقصائد مفردة، دون نص فرعي. وهو ما اعتقدت أنه ممتع للغاية؛ لقد كانت مجرد تجربة قمت بها. وقد قرأت بالفعل حين تمت مقارنتك بجورج هربرت وإميلي ديكنسون بسبب ارتباطهما بالزهور، والذي اعتقدت أنه مجرد شيء يقال. كما تعلمين، النقاد سيقولون أي شيء. لقد كتبت قراءات، ويمكنك قول أي شيء تريدينه. يمكنك تحوير أي شيء وجعله صالحاً في الكتابة.


غليك: نعم ، أدرك ذلك.


كافاليري: لندع هذا جانبا الآن، حسنًا؟ كتاب "ذي وايلد إيرس" هو الفائز بجائزة بوليتزر. وهي علامة فارقة في الكتابة الأمريكية. نعم. "عندما تقرئين شيئًا يستحق التذكر، فإنك تحررين صوتًا بشريًا. أنت تطلقين روحًا رفيقة في العالم مرة أخرى". هذا من كتابك "الموت والغياب." فكرة جميلة جدا، وهي أن القارئ مهم أيضا.


غليك: حسنًا، أعتقد أن هذه كانت تجربتي في وقت مبكر كقارئة. كنت طفلة وحيدة. كان تفاعلي مع العالم ككائنة اجتماعي أمر غير طبيعي، كان إجباري، مجرد أدائي، وكانت قمة سعادتي في القراءة. حسنًا، لم يكن الأمر رائعًا إلى ذلك الحد، لقد شاهدت التلفزيون كثيرا، وتناولت الكثير من الطعام أيضًا. لكن عندما بدأت أقرأ، خاصة عندما قرأت الشعر، شعرت بالأصوات على الصفحة، كان ويليام بليك وتي إس إليوت و دبليو بي ييتس رفاقي. شعرت أنهم لم يكونوا أساتذتي فقط بل هم الأشخاص الذين استطيع التحدث إليهم. إنهم يتحدثون معي. كانت كتابتي المبكرة محاولة للتواصل معهم، واستجابة لهم.


كافاليري: هذا رائع.


غليك: وأعتقد أن معظم الكتاب يشعرون بهذا الحوار مع الموتى. وعندما يسأل الناس، ماذا تريدين، ما نوع الاستجابة التي تريدينها لعملك، ما أريده هو أن ينزل بليك من السماء ويقول: "لويز، لقد قمت بعمل جيد جدًا." هذا ما اريد. ولحسن الحظ، لدي بدائل لبليك على قيد الحياة، ويساعدني انتباههم الشديد، الذي يُثبت أن ذلك الجهد لم يضع، وأن هناك آذانًا تتلقاه. وتريدين أن تكونين مثل هذه الأذن بنفسك. أعتقد أنه ليس من الممكن أن تكوني كاتبة دون أن تكوني مثل هذا النوع من الأدوات للآخرين.


كافاليري: الوعي يجذب وعيا مشابها، وتريدين أن تكوني رفقة هؤلاء الأشخاص الذين تفهمينهم ويفهمونك؛ هذا أمر منطقي.


غليك: ومن يرفعك إلى مستوى عالٍ.


كافاليري: وهو ما يفعله أصدقاؤك على ما يبدو. يعطونك مهاما.


غليك: هم يقومون بذلك.


كافاليري: تحدثي قليلاً عما نشرته سابقا.


غليك: كان كتاب "أرارات" أول كتاب رأيته كبنية واحدة، وعندما بدأت في كتابته، كان واضحًا لي أنه إما سيكون عبارة عن فسيفساء تمتد بطول كتاب، أو أنه سيكون فاشلا. كانت القصائد الأولى عبارة عن قصائد صغيرة عن وفاة والدي، وعن ضواحي لونغ آيلاند. لقد اجتهدت لفترة طويلة لاكتشاف نبرة صوت عامية. كان واضحًا جدًا بالنسبة لي بعد أربعة كتب أن الطريقة التي اتحدث بها لم تكن موجودة أبدًا في الطريقة التي اكتب بها، و لقد أزعجني عدم تمكني من الوصول إلى هذا الصوت الآخر. يمكنني تقليد اللغات العامية للآخرين، يمكنني تقليد الشاعر ويليام كارلوس ويليامز، لكن هذا سيكون جهدا أدبيًا. وأخيرًا، تعلمت في كتاب "أرارات" كيفية القيام بذلك. كان الكتاب، بشكل عام، مكروهًا بشدة، على الرغم من أنني ما زلت مرتبطًا به بشدة، إنه أحد كتبي المفضلة لدي. لكن القصائد تكاد تكون بلا شكل، بلا جمال، بلا مجاز.


كافاليري: إنه كتاب جيد، "أرارات."


غليك: أنا أحب "أرارات" كذلك.


كافاليري: يقول معظم الكتاب حين يجلسون للكتابة: "لا أعرف كيف أفعل هذا الشيء."


غليك: حسنًا، في الواقع، أنت لا تفعلين ذلك. لأنك لا تريدين أن تقومي بأي شيء سبق أن قمت به بالفعل، ولم تعودي ذات الشخص الذي كتب تلك الكتب. أنا أنظر إلى تلك القصائد، أو أقرأها، وأفكر: "كم هو غريب أنني كتبتها." ليس لدي أي إحساس بأنني قمت بذلك.


كافاليري: قالت أليس ووكر، عندما أنهت كتاب " اللون البنفسجي"، أنها لم تتعرف عليه. لقد عبرت الشخصيات من خلالها وابتعدت، ولم تدرك أبدًا أنها فعلت ذلك.


غليك: هذا صحيح.


كافاليري: عندما تنظرين إلى شيء كتبته منذ فترة طويلة، أهناك شعور بالإحراج لأنك لم تعودي في نفس المكان الآن؟


غلوك: نعم. هناك قصائد لم أعد أحبها. هذا مختلف. كتابي الأول "البِكر" ،  أشعر بالحرج منه، على الرغم من أنني كنت فخورة به للغاية في ذلك الوقت. اعتقدت انه كان رائعا جدا. الآن أنظر إليه وأعتقد أنه ضعيف وبلا شكل، ومليء بالرغبة، تحركه الرغبة في الكتابة. استغرق الأمر مني حوالي ست سنوات لكتابة الكتاب التالي "البيت على مارشلاند"، وأعتقد أنه منذ تلك اللحظة فصاعدًا، اصبحت على استعداد للتوقيع باسمي.


كافاليري: هل ستُدهشي إذا أحب بعض الناس هذا الكتاب أكثر من أي كتاب آخر؟


غليك: لا، لأنهم قالوا لي ذلك. أتمنى ألا يفعلوا ذلك، لكنهم يفعلون!


كافاليري: ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أنه صداه مختلف لدى كل شخص.


غليك: أوه، أعتقد أن هذا يعني أن هذا الكتاب، إنه جميل بشكل لا تشوبه شائبه، كل شيء فيه بارع ومحكم ومرهف. لا يوجد به السجع الذي صنع منه كتاب "أرارات". إنه ليس المفضل لدي، لكنه أحد أكثر كتبي المحبوبة والمرضية للجمهور.


كافاليري: يحب الناس أن تكون الحقيقة جميلة. لكن أعتقد أن هناك بعض الأشياء الرائعة هناك.


غليك: أوه، أعتقد أنه كتاب جيد. أنا سعيد لأنه ليس الكتاب الذي ...


كافاليري: ... آخر كتاب كتبته؟


غليك: نعم، أنا سعيدة بذلك.




 

لويس غليك: الذات كمختبر

مقابلة مع لويز غليك الفائزة بجائزة نوبل للآداب 2020 حوار : غريس كافاليري فصلية بيلتوي للشعر – شتاء 2006 ترجمة خالد البدور جريس ك...