الثلاثاء، 6 يوليو 2021

الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا



شعر غامض يفحص عيوبنا المتخيلة عن أنفسنا


ترجمة: خالد البدور



على الرغم من أن لغتها الشعرية تتمحور حول البساطة، إلا أن شعر الشاعرة البولندية ڤيسوافا شيمبورسكا، الحائزة على نوبل للآداب عام  1996، كان عميقا وقادراً على معالجة التعقيدات الجوهرية للواقع من خلال تبني منظور غير عادي. غالبًا ما لاحظ قراء شعر شيمبورسكا بساطته الفكاهية والسخرية والمخادعة. شعرها يفحص التفاصيل، ويقدمها أمام خلفية التاريخ. 

كثيرا ما استخدمت شيمبورسكا أدوات أدبية مثل الدقة مع السخرية، والتناقض، والبساطة، لأجل إلقاء الضوء على الموضوعات والهواجس الفلسفية. تعرض العديد من قصائدها، بمواربة ذكية، أجواء الحروب والإرهاب. ومع ذلك، من المهم ملاحظة الغموض في شعرها. على الرغم من أن شعرها تأثر بتجاربها، إلا أنه وثيق الصلة بالزمن والثقافة الحاضرة. كتبت من وجهات نظر غير عادية، مثل قطة في شقة فارغة حديثًا لمالكها الميت. ترتكز سمعتها على مجموعة صغيرة نسبيًا من الأعمال، ما يقارب من 250  قصيدة. وعندما سُئلت عن سبب نشرها لعدد قليل من القصائد، قالت: لدي سلة مهملات في منزلي.


نقلت لغتها صراع الشاعرة مع النظام الشيوعي وبولندا القرن العشرين، مما أدى الأمر، في النهاية، إلى تصوير مؤثر للنضال من أجل المشاركة في المجتمع المدني. وقد قالت ذات مرة "ان قصائدي ليست سياسية تماما، بل انها تتعلق اكثر بالحياة والناس".


كما قالت شيمبورسكا عن نفسها في قصيدة "في مديح الأحلام":


أنا، لكنني لا احتاج 

أن أكون طفلة لزمني.


وامتثالًا لشغفها بـ "الحياة العادية" و "المسار العادي للأحداث"، يمكنك مصادفة العديد من المباني والأماكن في مدينة كراكوف التي كانت ترتادها. إن تأثيرها على المدينة، بعد فوزها بجائزة نوبل للآداب، يشبه إلى حد كبير تأثير المدينة على شعرها: المثابرة، مع الاندماج مع العناصر المحيطة بها، بالإضافة إلى لمسة فريدة من الخفَّة والسخرية

وبالنسبة لمعظم المعجبين بالحنين إلى مدينة "كراكوف الأدبية"، من الممكن زيارة قبر الشاعرة في مقبرة راكويكي. هو بسيط ولكنه مؤثر وجميل، كما كان الكثير من شعرها، غالبًا ما يتم تغطية القبر بالزهور والرسائل من أعز قرائها.

كانت "كراكوف"، ولا تزال، واحدة من المدن التي اعتبرت مهداً للأدب في أوروبا الوسطى. يخلق جوها الفريد وبيئتها الأدبية مدينة نابضة بالحياة وفي ذات الوقت متأصلة في النفس، والتي لا يمكن تجربتها بالكامل إلا من خلال الضياع في متاهة الشوارع التي أنجبت العديد من المهن الأدبية الرائعة.



يقول الكاتب ستانيسلاف بارانكزاك: "الحالة النموذجية الغنائية التي تأسست عليها قصيدة شيمبوريسكا هي المواجهة بين الرأي المعلن أو الضمني حول قضية ما والسؤال الذي يثير الشك حول مدى صحة ذلك الرأي. الرأي لا يعكس فقط بعض المعتقدات المشتركة على نطاق واسع أو يمثل بعض العقلية المنتشرة، ولكنه أيضًا، كقاعدة، له نطاق عقائدي: تلك الفلسفة الكامنة وراءه عادة ما تكون تخمينية، مناهضة للتجربة العملية، وعرضة للتعميمات المتسرعة، الجماعية، والعقائدية غير المتسامحة".

تعبِّر إحدى القارئات المعجبات بالشاعرة عن قصيدة " تحت نجمة صغيرة واحدة" (المترجمة من بين القصائد هنا) بأن هذه القصيدة تجعلنا نقترب من فحص عيوبنا المتصورة عن أنفسنا. تقول أنها: " شعرت بعلاقة حقيقية بين هذه القصيدة وبين ما مررت به في حياتي عندما قرأتها. لقد جعلتني أتذكر عندما كانت لدي أفكار مماثلة عن نفسي عندما كنت أصغر سنًا، حيث ركزت الكثير من طاقتي على أخطائي المعتقدة عن نفسي، بغض النظر عن صغر حجمها. بعض السطور في القصيدة مثل "سامحني، أيتها الحروب البعيدة ، لإحضاري الزهور إلى المنزل". و "أعتذر للجميع لأني لا أستطيع أن أكون كل رجل وامرأة."  إنها قابلة للتطبيق على لحظات في حياتي حيث كنت أعتبر نفسي مخطئة في أصغر الأشياء و المشكلات والتي كانت أكثرها غير مباشرة. أتصور أنه ينبغي على الجميع قراءة هذه القصيدة ، فبلا شك، يشعر الجميع بذلك الشعور في مرحلة ما من حياتهم. على الرغم من أنهم قد لا يدركون دائمًا أن الآخرين كذلك يشعرون أو شعروا بنفس الشعور، أعتقد أن هذه القصيدة، كما فعلت بالنسبة لي، يمكن أن تساعد في إقناع المزيد من القراء بحقيقة أنه لا يوجد أحد مثالي، ولا يمكننا كذلك إلقاء اللوم على كل مشكلة صغيرة تحدث في حياتنا، وبالمثل، لا يمكنك إصلاح كل ما هو خطأ في هذا العالم. عليك فقط أن تعيش حياتك. عنوان القصيدة مثير للاهتمام أيضًا. هل يمكن أن تشير "النجمة الصغيرة" إلى الشمس؟ هل يمكن أن تكون الثيمة العامة لهذه القصيدة هي حقيقة كل شخص يعيش على الأرض، كول المشاكل التي نواجهها، والأسئلة التي نفكر فيها، وكل الصراعات الشخصية التي نخوضها داخل أنفسنا؟"


سيرة الشاعرة


هي شاعرة وكاتبة مقالات ومترجمة بولندية فازت بجائزة نوبل في الأدب لعام 1996. وصفت بأنها موزارت الشعر. في بولندا ، وصلت كتب شيمبورسكا إلى مبيعات تنافس مؤلفي النثر البارزين: على الرغم من أنها لاحظت ذات مرة أن ما لا يزيد عن اثنين من كل ألف شخص يهتمون بالفنون. نشرت قصيدتها الأولى "البحث عن الكلمات" في عام 1945 في صحيفة يومية معروفة، واستمرت في نشر قصائدها في مختلف الصحف والدوريات لعدد من السنوات.

حازت شيمبورسكا على جائزة نوبل في الأدب عن "الشعر الذي يسمح بدقة ساخرة للسياق التاريخي والبيولوجي بالظهور في صورة تشرذمات بشرية". أصبحت معروفة دوليًا نتيجة لذلك، وتُرجمت أعمالها إلى الإنجليزية والعديد من اللغات الأوروبية ، وكذلك إلى العربية والعبرية واليابانية والصينية. كما حازت على جوائز عديدة أخرى. 

نشرت الشاعرة 13 مجموعة شعرية، من بينها: "لهذا نحن أحياء"، "مساءلة ذاتك"، "ملح"، "لا نهاية للبهجة"، "أناس على الجسر"، "النهاية والبداية"، "لحظة"، "وهنا"، بالإضافة إلى مجموعة غير مكتملة عنوانها "كفى" نشرت بعد وفاتها.

توفيت الشاعرة في 1 فبراير 2012 في منزلها في كراكوف، عن عمر يناهز 88 عامًا.




مختارات من قصائدها

ترجمة: خالد البدور


ملحوظة "شكر"


أنا مدينة بالكثير

لأولئك الذين لا أحبهم.

تلك الراحة في التقبل

وهم أقرب لي من الآخرين.

بهجة أنني لست الذئب لأغنامهم.

ليكون سلامى إليهم

لأني معهم أكون حرَّة،

وهذا، لا يمكن للحب أن يمنحه

ولا يعرف كيف يسلبه منك.

لا أنتظرهم

من النافذة أو من الباب.

لكأنني مريضة

مثل قرص الشمس،

أفهم

ما لا يفهمه الحب.

وأسامح

ذلك الذي لا يمكن للحب أن يغفره.

بين موعد وحرف

لا تمرُّ الأبدية،

ليست سوى بضعة أيام أو أسابيع.

رحلاتي معهم دائمًا ما تصبح جيدة.

حفلاتٌ تُسمع.

تجوالٌ في الكاتدرائيات.

ومناظر طبيعية مميزة.

وحين تصبح بيننا سبعة انهار وجبال

هي انهار وجبال

معروفة في أي خريطة.


إنه الامتنان لهم

فبفضلهم أعيش في أبعاد ثلاثة،

في فضاء غير غنائي وغير بلاغي،

مع أفق متغير، وبالتالي حقيقي.

إنهم لا يعرفون حتى

كم يحملون في أياديهم الفارغة.

"أنا لا أدين لهم بأي شيء" ،

قال الحب

عن هذا الموضوع المفتوح.


بضعة كلمات عن الروح


لدينا، بعض الأحيان، روح.

لا أحد يملكها باستمرار،

لكي تبقى.


يوم بعد يوم،

سنه بعد سنه

قد تمر بدونها.


أحياناً

ستستقر لمدة

فقط في مخاوف الطفولة ونشواتها.

وأحيان في الذهول فقط

من أننا كبار في السن.


نادرا ما تمنحنا يداً

في المهام الشاقة،

كتحريك الأثاث،

أو رفع الأمتعة،

أو السير لأميال في حذاء مؤلم.


هي عادة ما تخرج

كلما احتاج اللحم إلى تقطيع

أو وقت ملء الاستمارات.


لكل ألف محادثة

تشارك في واحدة،

وحتى إن حدث هذا،

هي تفضل الصمت.


عندما، فقط، ينتقل جسمنا من الوجع إلى الألم،

تنسحب هي من الخدمة.


من الصعب ارضاؤها:

لا تحب رؤيتنا وسط الزحام،

ولا صخبنا من أجل ميزة مشكوك فيها

وتجعلها المكائد الصارخة مريضة.


الفرح والحزن

ليسا شعوران مختلفان عندها.

هي تهتم بنا

فقط عندما يتحد الاثنان.


يمكننا الاعتماد عليها

عندما لا نكون متأكدين من أي شيء

ونكون فضولين عن كل شيء.


من بين الأشياء المادية

تفضل الساعات ذات البندولات

والمرايا، تلك التي تستمر في العمل

حتى عندما لا ينظر إليها أحد.


لن تقول من أين تأتي

أو حين ترحل مرة أخرى ،

مع أنها تتوقع بوضوح مثل هذه الأسئلة.


نحن في حاجة إليها

ولكن على ما يبدو

هي تحتاجنا

لسبب ما أيضا.


أنا قريبة جدًا منه...


أنا قريبة جدًا منه ليمكنه أن يحلُمَ بي.

أنا لا أطير فوقه ولا أهرب منه

تحت جذور الأشجار. أنا قريبة جدا.

لا تغنِّي السمكة بصوتي في الشبكة.

وليس بسبب إصبعي يلُفُّ الخاتم.

أنا قريبة جدا. منزل كبير يحترق

دون أن أنادي للمساعدة. قريبة جدا

من جرس يتدلى من شعري ليَرن.

قريبة جدا مني لأدخل كضيفة

أمامها تنشق الجدران.

لن أموت مرة أخرى بهذه السهولة،

بعيدًة جداً عن الجسد، عن غير قصد

مثل ذات مرَّة في حلمه. أنا قريبة جدا،

قريبة جدًا - أسمع الهسهسة

وأرى القشرة المتلألئة لتلك الكلمة،

وأنا مستلقية في أحضانه. هو ينام،

متوفر أكثر في هذه اللحظة

لسيدة تذاكر السيرك ذي الأسد الواحد

شوهد ولكن مرة واحدة في حياته

أكثر منِّي مستلقية بجانبه.

الآن يكبُر لها وادٍ فيه،

مغلق بجبل ثلجي

في الهواء اللازوردي. أنا قريبة جدا

لأسقط من السماء لأجله. صراخي

قد يوقظه فقط. مسكينة أنا،

محدودة بشكلي،

لكنني كنت شجرة البتولا، كنت سحلية،

خرجت من نسيج حريري ومزولة شمسية

تتلألأ بشرتي بألوان مختلفة. امتلكت

نعمة الاختفاء من العيون المندهشة،

هذه هي ثروة الرجل الغني. أنا قريبة جدا،

قريبة جدا منه ليمكنه أن يحلم بي.

أستل ذراعي من تحت رأسه النائم.

خدرٌ ومليء بالدبابيس والإبر الخيالية.

وعلى رأس كل واحد، جاهز للعد،

ترقص الملائكة الهابطة.


الحب الحقيقي


الحب الحقيقي. أهو طبيعي،

أهو جادٌّ، أهو عمليّ؟

ماذا سيحصل عليه العالم من شخصين

يعيشان عالمهما الخاص؟


هو يوضع على نفس القاعدة بلا سبب وجيه،

مأخوذ عشوائياً من الملايين، لكنها مقتنعة

كان يجب أن يحدث بهذه الطريقة - كمكافأة على ماذا؟

لا لشيء.

الضوء يهبط من العدم.

لماذا على هذين وليس على الآخرين؟

أليست هذه فظاعة العدالة؟ نعم إنها كذلك.

ألا تخل بمبادئنا التي نصبناها بشق الأنفس،

ويُلقي الأخلاقي من الذروة؟ نعم في كلا الحالتين.


أُنظر إلى الزوجين السعداء.

ألا يمكنهم على الأقل محاولة إخفاء ذلك،

ادعاء بعض الاكتئاب لأجل أصدقائهم؟

استمع إليهم وهم يضحكون - هذه إهانة.

اللغة التي يستخدمونها - واضحة بشكل مخادع.

واحتفالاتهم الصغيرة، وطقوسهم،

العادات المتبادلة

من الواضح أنها مؤامرة وراء ظهر الجنس البشري!


صعب حتى تخمين المدى الذي قد تصل إليه الأمور

إذا بدأ الناس في اتباع مِثالهم.

ما الذي يمكن أن يعتمد عليه الدِّين والشِّعر؟

ماذا سوف نتذكر؟ عمَّ سنتخلى؟

من يرغب البقاء ضمن الحدود؟


الحب الحقيقي. أهو حقا ضروري؟

تخبرنا اللباقة والفطرة السليمة أن نتجاوزه بصمت،

كفضيحة في أقصى مدارات الحياة.

أطفال جيدون يولدون دون مساعدته.

لا يمكن أله ملأ الكوكب في مليون سنة،

هو نادر جدًا في مجيئه.


دع الناس ممَّن لم يجدوا الحب الحقيقي

يقولون أنه لا يوجد شيء اسمه الحب.


إيمانهم سيسهل عليهم العيش والموت.


تحت نجمة صغيرة واحدة


اعتذر للصدفة إذ أصفها كضرورة.

اعتذر للضرورة إن كنتُ مخطئة، بعد كل شيء.

من فضلك، لا تغضبي، أيتها السعادة، لأنني أعتبرك من واجبي.

ليكن موتاي صبورين لطريقة تلاشى ذكرياتي.

اعتذر للزمن لأجل كل العالم الذي أتغاضى عنه في كل ثانية.

اعتذر للحب القديم لإيماني أن الأحدث هو الأول.

اغفر لي، أيتها الحروب البعيدة، لجلبي الزهور إلى المنزل.

اغفري لي، أيتها الجروح المفتوحة، لوخزي إصبعي.

أعتذر لسجلِّي من الدقائق لمن يبكون من الأعماق.

أعتذر لأولئك الذين ينتظرون في محطات القطارات 

لأنهم ناموا اليوم الساعة الخامسة صباحا.

عفواً، أيها الأمل المُطارد، للضحك من وقت لآخر.

اعذريني أيتها الصحاري لأني لا أهرع إليك حاملة ملعقة من الماء.

وأنت، أيها الصقر، الذي لا يتغير عامًا بعد عام، دائمًا في نفس القفص،

تحديقتك الثابتة دائمًا على ذات النقطة في الفضاء،

سامحني، حتى لو تبيّن أنك محشو.

اعتذر للشجرة المقطوعة لأجل الطاولة ذات الأرجل الأربعة.

اعتذر للأسئلة الكبرى بسبب الإجابات الصغيرة.

أيتها الحقيقة، من فضلك لا تهتمِّي بي كثيرا.

أيتها الكرامة أرجوك أن تكوني رحيمة.

تحمَّل معي، يا لغز الوجود، بينما أقطف الخيط العرضي من قطارك.

أيتها الروح، لا تشعري بالإهانة لأنني اجدك فقط بين الحين والآخر.

اعتذر لكل شيء، إذ لا يمكنني أن أكون في كل مكان في ذات الوقت.

اعتذر للجميع أنني لا أستطيع أن أكون كل امرأة وكل رجل.

أعلم أنني دون مبرر طالما عشت،

لأنِّي أنا بنفسي اعترض طريقي.

لا تحمل سوء نية ضدِّي، أيها الكلام، لأنني أستعير كلمات ثقيلة،

واعمل كل جهدي لتبدو خفيفة. 

الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا

شعر غامض يفحص عيوبنا المتخيلة عن أنفسنا ترجمة : خالد البدور على الرغم من أن لغتها الشعرية تتمحور حول البساطة، إلا أن شعر ...